المقال الأول
يشهد العالم اعتبارًا من النصف الثاني من هذا القرن تغيرات مناخية ستهز العالم على الصعيدين الاقتصادي والسياسي؛ حيث ستؤدي ظاهرة الاحتباس الحراري إلى اختلالٍ بيئي كببر، فالمدن الساحلية مثل البندقية، والإسكندرية، ودمياط، وبورسعيد، والدول الساحلية ذات الأراضي المنخفضة عن سطح البحر مثل بنجلاديش، وسيرلانكا، وأندونيسيا، وفيتنام، وتونس، وسيراليون، والصومال، وموزمبيق وأراضي الدلتات مثل دلتا المسيسبي بفلوريدا ودلتا النيل بمصر، وكثير من الجزر بالمحيطات: الهادي، الأطلسي، والهندي... سوف تتعرض لغرق مساحات شاسعة مع ارتفاع مستويات البحار، أما المناطق القريبة من خط الاستواء قد تصبح صحاري يستحيل السكنى فيها.
وعلى الجانب الآخر فإن المناطق المرتفعة، وتلك التي تقع عند خطوط عرض أعلى في البلدان الشمالية مثل كندا وروسيا وإسكندنافيا قد يكشف التغير المناخي عن موارد مدفونة تحت الثلوج منذ زمنٍ بعيد.
وكما أن هناك مساحاتٍ شاسعةً من الأراضي الزراعية على الأرض سيتم غمرها بمياه البحر فإن مساحات أخرى ستتحول إلى صحراء قاحلة، وسوف يتكبَّد المستثمرون في دبي خسائر فادحة، فيما يتجنب مواطنو الشرق الأوسط أنفسهم الإقامة فيها، وسيهرب الأثرياء من الهند وجنوب الصين، وستتدفق الأموال الآسيوية على الأسواق العقارية المحلية في كندا وروسيا ودول الشمال.
وسيتراجع الطلب على وقود التدفئة، ومن ثَمَّ لن تلقى تهديدات روسيا المستمرة بوقف إمدادات الغاز الطبيعي إلى أوروبا آذانًا صاغية.
وفيما يصبح الكثير من المناطق المكتظة بالسكان أكثر جفافًا؛ ستوفر المياه العذبة نفوذًا أكبر للبلدان التي تملكها مثل كندا، بقدر ما تُشكِّل مخزونات النفط الكبرى مصدر نفوذ للدول المصدرة للنفط اليوم، وستبدأ قوانين تخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بالحد من استعمال الفحم الحجري والبترول والغاز الطبيعي على الرغم من أن انحسار الجليد في البحر القطبي الشمالي سوف يتيح الوصول إلى مخزونٍ هائلٍ من البترول والغاز الطبيعي، لكن منصات الحفر الحالية في القطب الشمالي سوف تغرق مع ذوبان الجليد.
وسوف تلجأ الهند والصين إلى المحيطين الهادي والهندي للحصول على مياه الشرب نتيجة اختلال الرياح الموسمية الاستوائية وتقلص الأنهار الجليدية الجبلية وفيضان الأنهار بشكل أكثر عشوائية، وسيجتاح حر لاهب وجفاف شديد الموسم الزراعي على طول خط الاستواء، أما غابات المطر في الأمازون فستتحول إلى سافانا أشجارها متناثرة بحلول عام 2100م وفق ما يقوله باحثون برازيليون (Newsweek, 8Mai 2007 ) وسوف تستمر الصحراء الكبرى في الاتساع والامتداد.
كما أن ذوبان الأنهار الجليدية في جبال الهمالايا سوف يتسبب بدايةً في مزيدٍ من الفيضانات في سهول الهند وبنجلاديش ثم إلى أزمة مياه؛ مما سيدفع بمئات الملايين من البشر إلى المجاعة، كما سيضاعف ارتفاع منسوب مياه البحر المشكلة، فقد حذَّرت إندونيسيا من أن نحو 2000 من جزرها 18000 التي تؤلف أرخبيل البلاد قد تصبح تحت الماء.
كما يتحدث علماء السكان عن هجراتٍ كثيفة فيما يهرب الفقراء من الجفاف والفقر إلى أمم ولو أنها غنية إلا أنها تشيخ وتواجه نقصًا مستقبليًّا في اليد العاملة كإيطاليا وفرنسا واليابان.
وستمتد الخسائر لتشمل الدول الجزر وعددها 51 دولةً من أفريقيا والكاريبي إلى أوقيانوسيا وجزر المحيط الهندي؛ حيث ستخسر مساحات شاسعة من خطوطها الساحلية، وهناك مناطق بأكملها سوف تواجه تبعات خطيرة من الطقس العنيف مما في ذلك الأعاصير والعواصف وأمطارالرياح الموسمية والفيضانات الخطيرة تشبه أمواج التسونامي العاتية المدمرة التي حدثت عام 2004م على ساحل جنوب آسيا في إندونيسيا وسيلان والهند.
كما أن ارتفاع الحرارة على سطح المياه في المناطق الاستوائية والشبه استوائية سوف يساعد على تفشي الكوليرا في بلدان إفريقيا الشرقية مثل موزمبيق والصومال، كذلك ستتفاقم المشكلة في البلدان التي تشح فيها مياه الشرب مثل "إسرائيل"، أما المملكة العربية السعودية فسوف تتعرض للمزيد من الجفاف مع تغير أنماط هبوط الأمطار.
وسوف يزداد الطلب على الوقود الحيوي مثل الإيثانول المستخرج من قصب السكر في منطقة الكاريبي، بينما ينخفض الطلب على الغاز الطبيعي والبترول نتيجة القوانين التي ستبدأ لتخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وفي المقابل سوف تعود الطاقة النووية إلى الساحة الدولية بقوةٍ ومرد ذلك جزئيًّا إلى كونها لا تتصاعد منها انبعاثات هذا الغاز.
كما سيقضي احترار القارة القطبية الشمالية على الدب القطبي وعلى مجتمعات الفقمة ويُشرَّد السكان الأصليون في المنطقة القطبية وعددهم نحو 10 ملايين نسمة، وهم موزعون على الدول الثماني التي تحد المنطقة القطبية؛ حيث يؤدي ذوبان الجليد في هذه المنطقة إلى حرمان السكان الأصليين من أراضي الصيد التقليدية لهم ومن الغزلان وغزلان الرنة التي تُشكِّل العنصر الأساسي لغذائهم.
وسوف يهرب السياح العرب والأوربيون من المدن الساحلية في حوض البحر الأبيض المتوسط الذي ستصل درجة الحرارة فيه إلى 40 درجةً مئويةً وما فوقها، وينتقلون إلى السواحل الشمالية في منطقة إسكندنافيا والجزر البريطانية ودول بحر البلطيق، وستخسر صناعة السياحة على سواحل مصر ولبنان وسوريا وتركيا واليونان وجنوب إيطاليا وفرنسا وأسبانيا خسائر هائلة، وباختصار "وداعًا لشواطئ الجنوب".
وبذوبان الجليد في جبال روكي والبرانيس والألب سوف تختفي رياضة التزلج؛ مما يؤدي إلى خسائر فادحة في قرى التزلج بهذه الجبال وانخفاض أعمالها التجارية، وعلى سبيل المثال فإن نحو 200 منتجع سياحي في جبال الألب، أي ما يمثل 33% من عدد المنتجعات، سوف يغلق أبوابه بزيادة درجة الحرارة درجتين، فما بالنا لو أن الزيادة أكبر!!.
إن مستقبل الحضارة يتوقف الآن على قدرة البشر على فهم التغيرات المناخية والتحكم فيها والتكيف معها للمستقبل.
أستاذ الطبقات والحفريات بقسم الجيولوجيا بكلية العلوم جامعة أسيوط، ونائب رئيس الفريق الجيولوجي الدولي ورئيس الفريق الجيولوجي المصري، ومحبوس احتياطيًّا على ذمة الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين منذ يناير 2007م.
يشهد العالم اعتبارًا من النصف الثاني من هذا القرن تغيرات مناخية ستهز العالم على الصعيدين الاقتصادي والسياسي؛ حيث ستؤدي ظاهرة الاحتباس الحراري إلى اختلالٍ بيئي كببر، فالمدن الساحلية مثل البندقية، والإسكندرية، ودمياط، وبورسعيد، والدول الساحلية ذات الأراضي المنخفضة عن سطح البحر مثل بنجلاديش، وسيرلانكا، وأندونيسيا، وفيتنام، وتونس، وسيراليون، والصومال، وموزمبيق وأراضي الدلتات مثل دلتا المسيسبي بفلوريدا ودلتا النيل بمصر، وكثير من الجزر بالمحيطات: الهادي، الأطلسي، والهندي... سوف تتعرض لغرق مساحات شاسعة مع ارتفاع مستويات البحار، أما المناطق القريبة من خط الاستواء قد تصبح صحاري يستحيل السكنى فيها.
وعلى الجانب الآخر فإن المناطق المرتفعة، وتلك التي تقع عند خطوط عرض أعلى في البلدان الشمالية مثل كندا وروسيا وإسكندنافيا قد يكشف التغير المناخي عن موارد مدفونة تحت الثلوج منذ زمنٍ بعيد.
وكما أن هناك مساحاتٍ شاسعةً من الأراضي الزراعية على الأرض سيتم غمرها بمياه البحر فإن مساحات أخرى ستتحول إلى صحراء قاحلة، وسوف يتكبَّد المستثمرون في دبي خسائر فادحة، فيما يتجنب مواطنو الشرق الأوسط أنفسهم الإقامة فيها، وسيهرب الأثرياء من الهند وجنوب الصين، وستتدفق الأموال الآسيوية على الأسواق العقارية المحلية في كندا وروسيا ودول الشمال.
وسيتراجع الطلب على وقود التدفئة، ومن ثَمَّ لن تلقى تهديدات روسيا المستمرة بوقف إمدادات الغاز الطبيعي إلى أوروبا آذانًا صاغية.
وفيما يصبح الكثير من المناطق المكتظة بالسكان أكثر جفافًا؛ ستوفر المياه العذبة نفوذًا أكبر للبلدان التي تملكها مثل كندا، بقدر ما تُشكِّل مخزونات النفط الكبرى مصدر نفوذ للدول المصدرة للنفط اليوم، وستبدأ قوانين تخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بالحد من استعمال الفحم الحجري والبترول والغاز الطبيعي على الرغم من أن انحسار الجليد في البحر القطبي الشمالي سوف يتيح الوصول إلى مخزونٍ هائلٍ من البترول والغاز الطبيعي، لكن منصات الحفر الحالية في القطب الشمالي سوف تغرق مع ذوبان الجليد.
وسوف تلجأ الهند والصين إلى المحيطين الهادي والهندي للحصول على مياه الشرب نتيجة اختلال الرياح الموسمية الاستوائية وتقلص الأنهار الجليدية الجبلية وفيضان الأنهار بشكل أكثر عشوائية، وسيجتاح حر لاهب وجفاف شديد الموسم الزراعي على طول خط الاستواء، أما غابات المطر في الأمازون فستتحول إلى سافانا أشجارها متناثرة بحلول عام 2100م وفق ما يقوله باحثون برازيليون (Newsweek, 8Mai 2007 ) وسوف تستمر الصحراء الكبرى في الاتساع والامتداد.
كما أن ذوبان الأنهار الجليدية في جبال الهمالايا سوف يتسبب بدايةً في مزيدٍ من الفيضانات في سهول الهند وبنجلاديش ثم إلى أزمة مياه؛ مما سيدفع بمئات الملايين من البشر إلى المجاعة، كما سيضاعف ارتفاع منسوب مياه البحر المشكلة، فقد حذَّرت إندونيسيا من أن نحو 2000 من جزرها 18000 التي تؤلف أرخبيل البلاد قد تصبح تحت الماء.
كما يتحدث علماء السكان عن هجراتٍ كثيفة فيما يهرب الفقراء من الجفاف والفقر إلى أمم ولو أنها غنية إلا أنها تشيخ وتواجه نقصًا مستقبليًّا في اليد العاملة كإيطاليا وفرنسا واليابان.
وستمتد الخسائر لتشمل الدول الجزر وعددها 51 دولةً من أفريقيا والكاريبي إلى أوقيانوسيا وجزر المحيط الهندي؛ حيث ستخسر مساحات شاسعة من خطوطها الساحلية، وهناك مناطق بأكملها سوف تواجه تبعات خطيرة من الطقس العنيف مما في ذلك الأعاصير والعواصف وأمطارالرياح الموسمية والفيضانات الخطيرة تشبه أمواج التسونامي العاتية المدمرة التي حدثت عام 2004م على ساحل جنوب آسيا في إندونيسيا وسيلان والهند.
كما أن ارتفاع الحرارة على سطح المياه في المناطق الاستوائية والشبه استوائية سوف يساعد على تفشي الكوليرا في بلدان إفريقيا الشرقية مثل موزمبيق والصومال، كذلك ستتفاقم المشكلة في البلدان التي تشح فيها مياه الشرب مثل "إسرائيل"، أما المملكة العربية السعودية فسوف تتعرض للمزيد من الجفاف مع تغير أنماط هبوط الأمطار.
وسوف يزداد الطلب على الوقود الحيوي مثل الإيثانول المستخرج من قصب السكر في منطقة الكاريبي، بينما ينخفض الطلب على الغاز الطبيعي والبترول نتيجة القوانين التي ستبدأ لتخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وفي المقابل سوف تعود الطاقة النووية إلى الساحة الدولية بقوةٍ ومرد ذلك جزئيًّا إلى كونها لا تتصاعد منها انبعاثات هذا الغاز.
كما سيقضي احترار القارة القطبية الشمالية على الدب القطبي وعلى مجتمعات الفقمة ويُشرَّد السكان الأصليون في المنطقة القطبية وعددهم نحو 10 ملايين نسمة، وهم موزعون على الدول الثماني التي تحد المنطقة القطبية؛ حيث يؤدي ذوبان الجليد في هذه المنطقة إلى حرمان السكان الأصليين من أراضي الصيد التقليدية لهم ومن الغزلان وغزلان الرنة التي تُشكِّل العنصر الأساسي لغذائهم.
وسوف يهرب السياح العرب والأوربيون من المدن الساحلية في حوض البحر الأبيض المتوسط الذي ستصل درجة الحرارة فيه إلى 40 درجةً مئويةً وما فوقها، وينتقلون إلى السواحل الشمالية في منطقة إسكندنافيا والجزر البريطانية ودول بحر البلطيق، وستخسر صناعة السياحة على سواحل مصر ولبنان وسوريا وتركيا واليونان وجنوب إيطاليا وفرنسا وأسبانيا خسائر هائلة، وباختصار "وداعًا لشواطئ الجنوب".
وبذوبان الجليد في جبال روكي والبرانيس والألب سوف تختفي رياضة التزلج؛ مما يؤدي إلى خسائر فادحة في قرى التزلج بهذه الجبال وانخفاض أعمالها التجارية، وعلى سبيل المثال فإن نحو 200 منتجع سياحي في جبال الألب، أي ما يمثل 33% من عدد المنتجعات، سوف يغلق أبوابه بزيادة درجة الحرارة درجتين، فما بالنا لو أن الزيادة أكبر!!.
إن مستقبل الحضارة يتوقف الآن على قدرة البشر على فهم التغيرات المناخية والتحكم فيها والتكيف معها للمستقبل.
أستاذ الطبقات والحفريات بقسم الجيولوجيا بكلية العلوم جامعة أسيوط، ونائب رئيس الفريق الجيولوجي الدولي ورئيس الفريق الجيولوجي المصري، ومحبوس احتياطيًّا على ذمة الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين منذ يناير 2007م.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق