الجمعة، ٢٤ أغسطس ٢٠٠٧

من ينقذ مصر ؟ 3


الاحترار العالمي ظاهرة كونية
المقال الثالث

د/خالد عودة
من المعروف أن أحداثًا بركانيةً رئيسيةً قد ألقت طوال التاريخ الجيولوجي للأرض آلاف الكيلومترات المربعة من الحمم على اليابسة أو في قيعان البحار، وكناتجٍ ثانوي لهذا النشاط البركاني فإن حجومًا ضخمةً من غازي ثاني أكسيد الكربون والميثان ارتفعت إلى الغلاف الجوي وسببت الاحترار العالم السريع؛ حتى إن كثيرًا من الانقراضات الجماعية لأنواع الحياة على الأرض كان مرجعها الغازات المنبعثة من البراكين.

ومن أهم هذه الانقراضات الانقراض الحراري الذي حدث في نهاية عهد الباليوسين، والذي تم اكتشافه حديثًا في التتابع الرسوبي المطل من ناحية الشرق على قرية الدبابية جنوب الأقصر.

فقد ثبت من خلال دراسة هذا التتابع بمعرفة الفريق الجيولوجي الدولي أن فترةً من الاحترار العالمي قد انتابت الكرة الأرضية نحو 150000(مائة وخمسين ألف) سنة بسبب زيادة انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون نتيجة زيادة النشاط البركاني في قيعان البحار الشمالية، مما أدَّى إلى سخونة مياه البحار والمحيطات؛ الأمر الذي قلل من قدرتها على امتصاص الأكسجين؛ مما ترتب عنه انقراض الكائنات الحية التي تتنفس الأكسجين.

والفرق بين الاحترار العالمي الناشئ من انبعاث كمياتٍ كبيرةٍ من غازات ثاني أكسيد الكربون والميثان من البراكين الموجودة في قيعان البحار، وتلك الموجودة على اليابسة- أن تركيز مستويات الأكسجين في الحالة الأولى يقل في الماء من أسفل إلى أعلى يقابله زيادة ثاني أكسيد الكربون والميثان في نفس الاتجاه، ثم تنتقل دورة ثاني أكسيد الكربون والميثان من الماء إلى الهواء.

وهذه هي الحالة المُسجَّلة في تتابع الدبابية؛ حيث استدل عليها بانقراض الأحياء القاعية أولاً ثم الأحياء الهائمة العميقة ثم الأحياء الهائمة الضحلة المنتشرة فوق سطح الماء، ثم الأحياء الأرضية؛ حيث تم تسجيل الاحترار العالمي في كل التتابعات الصخرية المميزة لهذه الفترة الزمنية سواء تم ترسيبها في قيعان المحيطات والبحار أو في قيعان الأنهار أو بواسطة الرياح على اليابسة؛ مما يؤكد أن الاحترار العالمي شمل الأرض كلها.

أما في حالة انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون والميثان من اليابسة سواء أكان ذلك يفعل الإنسان أو من جرَّاء الأنشطة البركانية السطحية أو نتيجة حرائق الغابات المدارية، فإن نحو40% من غاز ثاني أكسيد الكربون يتبقى في الغلاف الهوائي؛ أما الباقي فتمتصه النباتات على اليابسة أو مياه المحيطات بنسبٍ متساوية تقريبًا، ونظرًا لأن غاز ثاني أكسيد الكربون والميثان وبخار الماء لهم القدرة على امتصاص الأشعة التحت الحمراء ثم إعادة توزيعها مرة ثانية إلى سطح الأرض- لذا فإنها تعد بمثابة مصايد للحرارة في الغلاف الجوي؛ حيث ترفع بدورها درجة حرارة الغلاف الهوائي ثم تقوم كوسيطٍ بإعادة توزيع الأشعة تحت الحمراء من المناطق الساخنة من سطح الأرض بالقرب من خطوط العرض المنخفضة إلى المناطق الباردة عند خطوط العرض العالية.

وبازدياد حجم الانبعاثات من هذه الغازات ترتفع درجة حرارة البحار والمحيطات عند خط الاستواء أولاً ثم يعاد توزيع الطاقة الاستوائية نحو القطبين.


وكنتيجة لارتفاع درجة حرارة مياه البحار والمحيطات، فإن المياه تصبح أكثر دفئًا، ومن ثم تقل قدرتها على امتصاص الأكسجين من الغلاف الهوائي، وباستمرار نقص الأكسجين في المياه من أعلى إلى أسفل تبدأ الظروف المختزلة anoxia كتلك الموجودة في الطبقة المائية السفلى في البحر الأسود والبحر الميت- تبدأ في التكوين، وهذه الظروف المختزلة تسمح بازدهار وتنوع كبير للكائنات اللاهوائية الكارهة الأكسجين في العمود المائي كالبكتريا الخضراء والبكتريات الكبريتية الأرجوانية.

وهي أنواع تتصف بالسُّمية الشديدة، وتفرز كميات كبيرة من كبريتد الأيدروجين الذي ينحل في مياه البحر، وبازدياد تركيز كبريتد الأيدروجين يبدأ في الانتشار من أسفل إلى أعلى؛ حيث يلتقي الأكسجين الذي تمتصه البحار من الغلاف الهوائي والمنتشر من أعلى إلى أسفل.

وطالما أن التوازن مستقر تبقى المياه المشبعة بكبريتد الأيدروجين منفصلة عن المياه المؤكسدة، ويُطلَق على الخط الفاصل بين المستويين اسم خط التغير الكميائي Chemocline.

أما في حالة انخفاض مستويات الأكسجين في البحار نتيجة زيادة درجات الحرارة وانخفاض قدرة المياه على امتصاص الأكسجين من الغلاف الهوائي فإن الشروط تصبح ملائمةً للبكتيريات اللاهوائية العميقة لتوليد عمليات صعود غزيرة من كبريتيد الأيدروجين ويرتفع خط التغير الكميائي بصورةٍ مفاجئةٍ إلى سطح البحر كلما نقص تركيز الأكسجين- وتبدأ كافة أشكال الحياة التي تتنفس الأكسجين داخل البحار في الاختناق، ثم ينتقل غاز كبرتيد الهيدروجين إلى الهواء مؤديًّا إلى قتل كل الحيوانات والنباتات على اليابسة، ويرتفع هذا الغاز إلى طبقة الإستراتوسفير فيتلف طبقة الأوزون المحيطة بالكوكب ومن دون درع الأوزون تقتل أشعة الشمس فوق البنفسجية أشكال الحياة الباقية.

ويعتقد العلماء ومنهم بيتر وورد (2005م) أن هذا السيناريو هو المسئول عن انقراض الحياة في نهاية العصر البرمي من نحو 250 مليون سنة؛ حيث سجَّل العلماء وجود كمياتٍ كبيرة من الكبريت في كل المواقع التي يوجد فيها تتابع صخري يميز نهاية العصر البرمي.

كما قدَّر كلٌّ من ر. كامب، أ. أرثر- وهما من علماء جامعة بنسلفانيا- كمية غاز كبرتيد الأيدروجين التي دخلت الغلاف الهوائي من المحيطات بنحو 2000 مرة مثل تلك الكميات الصغيرة التي تطلقها البراكين في الوقت الحاضر، كما بلغ تركيز ثاني أكسيد الكربون في الهواء نحو 3000 جزء من المليون في ذات الوقت.

إلا أنه خلال الفترة الانتقالية من الباليوسين إلى الأيوسين (نحو55 مليون سنة مضت) لم يثبت وجود تركيزات عالية من الكبريت، وإنما ثبت أن ثاني أكسيد الكربون قد بلغ ثلاثة أضعاف التركيز الحالي (نحو 1000 جزءٍ في المليون في الجو)، ومع ذلك فإن تحليلات نظير الكربون 13 في هذا التتابع والتتابعات المناظرة التي تم ترسيبها فوق اليابسة في مناطق مختلفة من العالم أكدت انخفاضه بمقدار يتراوح بين 3 إلى 3.5 في الألف، وهو ما يؤكد نفوق النباتات البرية والبحرية، بالإضافةِ إلى نفوق جميع الأحياء التي تتنفس الأكسجين.

فنظير الكربون يكون أكثر غزارةً في الغلاف الجوي عندما تكون النباتات مزدهرةً، أما عندما تتعرض الحياة النباتية للنفوق الجماعي فإن نظير الكربون 13 ينخفض في الغلاف الجوي وحيث إنه لم يثبت حتى الآن وجود آثار على حدوث تصادم من نيازك كبرى للأرض خلال هذه الفترة الزمنية- كتلك التي أدَّت إلى الانقراضات الجماعية للحياة عند الحدِّ الفاصل بين العصر الطباشيري والعصر الثلاثي منذ 65 مليون عام- فإنه بذلك تكون المحيطات هي العامل الأكثر حسمًا خلال الفترة الانتقالية بين الباليوسين والأيوسين؛ حيث أدَّى ارتفاع درجة حرارة قيعان البحار بفعل البراكين تحت السطحية إلى صعوبة امتصاص المياه للأكسجين من الغلاف الجوي من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى أدَّى ارتفاع درجة حرارة قيعان البحار إلى تحلل المادة الحية للأحياء القاعية فانطلق الكربون ليتفاعل مع الأكسجين المتبقي في المياه ليعطي في النهاية ثاني أكسيد الكربون.

وبذلك تضافرت الظروف البيئية على ازدهار ثاني أكسيد الكربون على حساب الأكسجين في البحار ثم انتقال هذه الظروف إلى الغلاف الجوي فانخفضت كمية الأكسجين وارتفعت نسبة نظير الكربون 12 على حساب النظير 13 في الغلاف الجوي لتقضي على ما تبقى من أحياء نباتية وحيوانية على سطح اليابسة، ويطلق على هذا الانقراض أو النفوق الجماعي- الانقراض الحراري في نهاية الباليوسين.

وبالمقارنة بالأحداث الجيولوجية التي مرَّت على الأرض، فإنه يمكن القول بأن الانقراضات الناجمة عن تأثير الاحترار العالمي بفعل غاز ثاني أكسيد الكربون هي ظاهرة متكررة في تاريخ الأرض من قبل ظهور الإنسان، وإليها يُعزى الانقراضات التي حدثت في نهاية البرمي 251.4 مليون عام، وفي نهاية الترياسي 201 مليون عام وفي الطباشيري الأوسط 100 مليون عام، وفي نهاية الباليوسين 55 مليون عام.

وباستثناء الانقراضات التي حدثت بسبب اصطدام النيازك بالأرض عند الحد الفاصل بين العصر الطباشيري والعصر الثلاثي فإن مياه البحار في العالم عادت أكثر من مرة إلى ظروف الانخفاض الشديد للأكسجين الموجود فيها المعروف بحالة الإرجاع (الاختزال) التي كانت شائعة على الأرض قبل أن تصبح النباتات والحيوانات غزيرة.

الاحترار العالمي الحالي والموقف الدولي


أما في الوقت الحاضر فإن تركيز ثاني أكسيد الكربون في الجو هو 385 جزءًا من المليون، وقد لُوحظ أن هذا التركيز يزداد سنويًّا بمقدار 2 إلى 3 أجزاء من المليون، وهو ما يتوقع أن تصل مستوياته إلى 900 - 1000 جزء من المليون في نهاية القرن التالي، وعندئذ تتحقق الشروط التي تؤدي إلى بداية تكوين البحار المرجعة.

وإلى حين تحقق هذا الشرط في عام 2200 فسوف تتعرض الأرض والبحار إلى تغيرات مناخية وكيميائية تؤثر تأثيرًا كبيرًا على النشاط البشري فوقها.

فقد استطاع العلماء أن يقدموا سجلاً كاملاً لازدياد نسبة ثاني أكسيد الكربون في الجو يثبت أن هذا الغاز قد ارتفع تركيزه في الجو بنسبة 30% خلال الخمسين عام الأخيرة؛ وذلك من خلال قياس الفقاعات الهوائية المحبوسة في طبقات الجليد (انظر سكوت دوني، معهد وودز لعلوم البحار، ماساسوتش، مجلة العلوم الأمريكية، كين كالديرا ومشيل ويكيت- مجلة الطبيعة 2003م، جيمس أور، مجلة الطبيعة 2005م، الموقع الإلكتروني للجمعية الملكية royalsoc.ac.uk) ثم قياس التركيز السنوي في الغلاف الهوائي في مرصد مونا لوا بجزيرة هاواي منذ عام 1958م، حتى الآن.


واتضح أن تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي كان ثابتًا تقريبًا لعدة الآف من السنين؛ حيث لم يتجاوز 280 جزءًا في المليون أو نحو ذلك ثم بدأ بالزيادة المفاجئة والسريعة مع بداية عصر التصنيع في القرن التاسع عشر حتى بلغ في عام 2000م، نحو 375 جزءًا من المليون.

وقد كان من الممكن زيادة هذه النسبة كثيرًا لولا أن مياه البحار والنباتات تمتص نحو 60% من هذه الانبعاثات؛ فمياه البحار وحدها تمتص نحو 30% من كمية غاز ثاني أكسيد الكربون المنبعث من احتراق الفحم الحجري والنفط والغاز الطبيعي، وهو ما يطلق عليهم الوقود الإحفوري.

وزيادة تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الهوائي قد صاحبه ارتفاع ملحوظ في المتوسط السنوي لدرجة حرارة الكوكب بمقدار 0.6º درجة مئوية، وأن تأثير هذه الزيادة كان شديدًا في النصف الشمالي من الكرة الأرضية؛ حيث ارتقع المتوسط الحراري بمقدار يزيد على 1.0º درجة مئوية خلال الخمسين عامًا الأخيرة، وهو ما يعني أن القارة القطبية الشمالية تسخن بصورةٍ أسرع مما هي عليه في القارة القطبية الجنوبية لأن امتصاص الإشعاع الشمسي فيها أكبر، وقد صاحب هذا الارتفاع الحراري زيادةً في معدل ذوبان طبقة الجليد.


وطبقًا للتقرير الذي أصدره "مجلس القارة القطبية الشمالية"، وهي منظمة تضم ثماني دول هي: الولايات المتحدة، وكندا، وإيسلندا، والدنمارك، والنرويج، والسويد، وفنلندا، وروسيا- إضافةً إلى عدة منظمات محلية شعبية- فإنه بحلول نهاية هذا القرن سوف يرتفع متوسط درجة حرارة الشتاء من أربع إلى سبع درجات مئوية فوق المحيطات، وهذا سوف يؤدي إلى تغيرات عميقة بحلول عام 2100.

ووفقًا لهذا التقرير فإن صفيحة جرينلاند الجليدية، وهي أكبر كتلة جليد فوق اليابسة في العالم سوف تتجاوز على الأغلب خط الذوبان اللاعكسي خلال هذا القرن، فإذا أضفنا إلى ذلك ذوبان جليد آخر فوق اليابسة فإن ذلك سوف يؤدي إلى فيضانات ضخمة يشح على أثرها الماء العذب، ويرتفع بذلك مستوى البحار والمحيطات ليهدد مدن رئيسية مثل مومباي وكلكتا ومانيلا وماسحًا جزء فلوريدا الواقع تحت ميامي.

كما أن ارتفاعات أقل شأنًا في مستوى البحار ستكون كارثيةً في المناطق التي يعيش سكانها على ارتفاعات طفيفة فوق سطح البحر مثل البنجلاديش ودلتا النيل في مصر.


وكلما ازداد انكماش الطبقة المتجمدة في القارة القطبية الشمالية فإن ذلك يعني ارتفاع نسبة الكربون المنبعث؛ حيث إن الكربون المحتبس هناك يمثل نحو 14% من الإجمالى العالمي.

مما يزيد مفعول الاحترار العالمي (الاحتباس الحراري)، الأمر الذي سيقضي لا محالةَ على مجتمعات الإسكيمو ويشرد السكان الأصليين.

ومع اختلاف السيناريوهات المقدمة من اللجنة الحكومية الدولية والمؤسسات البحثية إلا أن هناك اتفاقًا كاملاً على أن متوسط درجة حرارة كوكب الأرض سوف ترتفع درجتين بحلول عام 2030م، وأن هذه الزيادة مرشحة للارتفاع المضطرد إذا استمرت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على ما هي عليه.

وفي استطلاع حديثٍ أجراه مركز القوانين والسياسات البيئية التابع لجامعة ييل قال 83% من الأمريكيين إن ظاهرةَ الاحتباس الحراري العالمي مشكلة خطيرة وأجمع 63% على أن الولايات المتحدة معرضة للمخاطر البيئية بما فيها الاحتباس الحراري العالمي بقدر ما هي معرضة للمخاطر الإرهابية، كما أن معظم الدول باتت تعتبر التغيرات المناخية واقعًا لا مفرَّ منه.. لكن كيف سنتكيف معه؟

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

يجب ان نولى اهتماما كبيرا بمشكلة الاحتباس الحرارى.أحييك على عرض هذه المقالة الهامة. أطيب تحياتى لك